جواهر مهمَلة

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى واحدة من الزيارات إلى انجلترا، اشتركت فى رحلة أخذونا فيها لزيارة مكان عادى تمامًا به بضعة أحجار ملقاة على الأرض فى منطقة اسمها «ستون هنج»، وكانوا يقومون بتحصيل مبلغ اثنى عشر جنيهًا إسترلينيًا ممن يريد أن يقترب من الحجارة داخل السياج!.. الأكثر طرافة أنهم حوّلوا المكان إلى سوق تجارية تباع فيها العاديات والتذكارات والمظلات الواقية من المطر والمأكولات الخفيفة والمشروبات.. كل هذا فى مكان ليس له أى معنى سياحى أو قيمة تاريخية مميزة!.

على العكس من هذا تمامًا وجدتُ مدينة إسنا التى توقفت عندها الباخرة السياحية التى أبحرت من أسوان إلى الأقصر، وجدتها أسوأ مما كانت عليه يوم بنى الفراعنة معبدًا بهيًا على هذه البقعة، فعلى الأقل منذ ثلاثة آلاف سنة لم يكن هناك تلوث ولا روث يملأ الشوارع، ولا كان الغبار يسد الأنوف، ولا كان العمل الوحيد للسكان هو قيادة حناطير قديمة متهالكة لتوصيل السياح من مرسى السفن على النيل إلى المعبد فى زيارة سريعة لا تستفيد فيها المدينة من الحركة السياحية إلا فى ثمن ركوب الحنطور زائد الملاليم القليلة المدفوعة فى تذكرة دخول المعبد!.. فى هذا المكان تصورت لو أن الله قد منح هذا المعبد لأناس آخرين فى دولة أخرى، فإنهم كانوا ليبنون مجموعة فنادق فى البلدة، ويقيمون صناعة تذكارات، ويفتحون مطاعم ومقاهى وملاهى ودور سينما، ويجعلون من هذا المكان جَنّة، ولا يتركون به متسولًا أو عاطلًا عن العمل.. كل هذا يمكن عمله حول المعبد المهمل المحاط بالخرائب، والذى لا يوجد بالمدينة التى تضمه فندق واحد ولو درجة سابعة أو دورة مياه آدمية يمكن أن يستخدمها إنسان!.

وما ينطبق على مدينة إسنا ينطبق على مدينة إدفو ومدينة كوم أمبو التى يقع بكل منهما معبد مشابه فى قيمته وعظمته، يقبع فى بقعة منبوذة. الطريق كله الذى يسلكه المركب من أسوان للأقصر والعكس يعرض الجمال الفقير على طول شاطئ النيل.

لقد زرت أماكن كثيرة فى بلدان متواضعة، وشاهدت الفقر فى صورة فولكلور يتم تسويقه لإمتاع السائح بمشاهدة الإنسان الأول على حاله القديم منذ آلاف السنين.. شكله وملابسه وبيته وأدواته وطريقة حياته.. لكن هذا لم يفزعنى أو يسبب لى غُصة لسببين: الأول أن الإهمال كان معقولًا ولم يكن موغلًا فى العبثية والحُمق، والثانى أن هذه البلدان ليست بلدى، وخيبتها لا تؤذينى مباشرة، أما عندما تكون سياحة الإنسان الأول هى الأساس فى بلدنا فهذا يكسر القلب، خاصة وأنا أرى الحل سهلًا، لكنى أعلم أنه بعيد المنال.

لقد قمت بالتقاط الصور التذكارية مع المتسولين فى بلاد كثيرة، واعتبرتها جزءًا محببًا من ذكريات كل رحلة، لكننى لا أستطيع أن أفعل هذا مع المتسول فى بلادى، لأن وجوده يؤلمنى ويجعلنى أتضاءل وأنا أرى السياح يحتفون بقذارته ورِقّة حاله، ويلتقطون معه الصور التى ستكون مصدرًا للثرثرة مع أصدقائهم لسنوات طويلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق